الخميس، 9 يونيو 2011

الاقتصاد المعرفي والتعليم الالكتروني ركيزتان في كفاءة العنصر البشري

الأستاذ الدكتور خليل حسن الزركاني
جامعة بغداد

المقدمة
إن أفضل استثمار يمكن أن تقوم به أية مؤسسة اقتصادية هو بناء العنصر البشري العامل في تلك المؤسسة بحيث يتم أعداده ذهنيا ونفسيا بالقدر الذي يمكنه من قيادة عجلة الإنتاج والنماء
يشهد العالم ازدياداً مضطرداً لدور المعرفة والمعلومات في الاقتصاد : فالمعرفة أصبحت محرك الإنتاج والنمو الاقتصادي كما أصبح مبدأ التركيز على المعلومات والتكنولوجيا كعامل من العوامل الأساسية  في الاقتصاد من الأمور المسلم بها. وبدأنا نسمع بمصطلحات تعكس هذه التوجهات مثل “مجتمع المعلومات “وثورة المعلومات” و ” اقتصاد المعرفة” و”اقتصاد التعليم”   وغيرها.ويزداد استثمار الدول في المعرفة والمعلومات من خلال الصرف على التعليم والتدريب والتطوير في القطاعين العام والخاص.
فالاستثمار في المعلومات أصبح أحد عوامل الإنتاج ، فهو يزيد في الإنتاجية كما يزيد في فرص العمل يتجه العالم نحو اقتصاد المعرفة الذي تزداد فيه نسبة القيمة المضافة المعرفية بشكل كبير، والذي أصبحت فيه السلع المعرفية أو سلع المعلومات من السلع الهامة جداً، وتساعد تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في نمو اقتصاد المعرفة
المبحث الأول   (اقتصاد المعرفة بين النظرية والتطبيق)
1- ماهية اقتصاد المعرفة ومستلزمات الأساسية
فرع جديد من فروع العلوم الاقتصادية ظهر في الآونة الأخيرة هو (اقتصاد المعرفة), يقوم على فهم جديد أكثر عمقًا لدور المعرفة ورأس المال البشري في تطور الاقتصاد وتقدم المجتمع يعرف البنك الدولي اقتصاد المعرفة بأنه الاقتصاد الذي يحقق استخداما فعالا للمعرفة من اجل تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية‏,‏ وهذا يتضمن جلب وتطبيق المعارف الاجنبيه‏,‏ بالاضافه الي تكييف وتكوين المعرفة من اجل تلبيه احتياجاته الخاصة‏(1)
فالمعرفة رافقت الإنسان منذ أن تفتّحَ وعيه, وارتقت معه من مستوياتها البدائية, مرافقة لاتساع مداركه وتعمقها, حتى وصلت إلى ذراها الحالية. غير أن الجديد اليوم هو حجم تأثيرها على الحياة الاقتصادية والاجتماعية وعلى نمط حياة الإنسان عمومًا من خلال رفع كفائتة ,وذلك بفضل الثورة العلمية التكنولوجية. فقد شهد الربع الأخير من القرن العشرين أعظم تغيير في حياة البشرية, هو التحول الثالث بعد ظهور الزراعة والصناعة, وتمثّل بثورة العلوم والتقانة فائقة التطور في المجالات الإلكترونية والنووية والفيزيائية والبيولوجية والفضائية.  لقد باتت المعلومات موردًا أساسيًا من الموارد الاقتصادية له خصوصيته, بل إنها المورد الاستراتيجي الجديد في الحياة الاقتصادية, المكمل للموارد الطبيعية كما تشكل تكنولوجيا المعلومات في عصرنا الراهن العنصر الأساس في النمو الاقتصادي.(2)  وتتحدث عن الاقتصاد القائم علي المعلومات أو المعرفة‏,‏ وهي رؤية تعني إحداث تغيير جوهري ملموس في بنيه بيئات ونظم العمل داخل الاقتصاد نفسه أولا‏ ‏وتعني أيضا أعاده هندسه أساليب الأداء وطرق التفكير التي تحكم المؤسسات الاقتصادية ذاتها لتتهيأ للعمل القائم علي المعلومات بما يعنيه ذلك من تطبيق حقيقي للعديد من الفلسفات والأساليب الاداريه فمع التطور الهائل لأنظمة المعلوماتية , تحولت تكنولوجيا المعلوماتية إلى أحد أهم جوانب تطور الاقتصاد العالمي, حيث بلغ حجم السوق العالمية للخدمات المعلوماتية عام 2000 حوالي تريليون دولار. لقد أدخلت ثورة المعلومات المجتمعات العصرية (أو, لنكن أكثر دقة, بعضها الأكثر تطورًا) في الحقبة ما بعد الصناعية. وقد أحدثت هذه الثورة جملة من التحولات التي طاولت مختلف جوانب حياة المجتمع, سواء بنيته الاقتصادية أو علاقات العمل أو ما يكتنفه من علاقات إنسانية – مجتمعية.. الخ  (3)   فثورة التكنولوجيا, وبالأخص ثورة الاتصالات والإنترنت, تؤثر في  تعليم الإنسان وتربيته وتدريبه, وتجعل عامل السرعة في التأقلم مع التغيير من أهم العوامل الاقتصادية الإنتاجية فالمجتمع وكذلك الإنسان الذي لا يسعى إلى مواكبة التطور العلمي والتكنولوجي سرعان ما يجد نفسه عاجزًا عن ولوج الاقتصاد الجديد والمساهمة فيه.
والدولة التي لا تدرك أن المعرفة هي اليوم العامل الأكثر أهمية للانتقال من التخلف إلى التطور ومن الفقر إلى الغنى ستجد نفسها حتمًا على هامش مسيرة التقدم, لتنضم في نهاية المطاف إلى مجموعة ما يسمى (الدول الفاشلة ) (4)
وقد كان لانترنيت دور في الاقتصاد والتنمية يشهد العالم تحولاً متسارعاً نحو اقتصاد المعرفة Knowledge Based Economy الذي يعتمد أساساً على تكنولوجيا المعلومات، حيث تزداد نسبة القيمة المضافة المعرفية بشكل كبير، وتغدو سلع المعلومات سلعاً هامة جداً، وترتبط مسألة التنمية والتطور الاقتصادي بالقدرة على الاستثمار الأمثل لتكنولوجيا المعلومات والقدرة على إدخال المعلومات في البنية الاقتصادية والتوسع المستمر في قطاع المعلومات الذي يتحول إلى قاطرة التنمية والتطوير الاقتصادي في مختلف أنحاء العالم، وتعد الإنترنت أحد الأسس الهامة لهذا الحامل الأساسي لهذه التحولات الجذري وقد بلغ حجم التجارة الإلكترونية عام 1998     2.3  تريليون دولاراً وقد بلغ هذا الرقم في عام 1999    3.5 تريليون دولاراً، ونسوق فيما يلي بعض الأمثلة على أهمية استخدامات إنترنت اقتصادياً((5)
باعت شركة الأمازون مئات آلاف الكتب عبر الإنترنت عام 1996 وبلغ حجم مبيعاتها 16 مليون دولاراًن أما في عام 1997 فقد بلغت 148 مليون دولار وفي عام ،1998 250 مليون دولار وبلغ عدد زبائنها 4.5 مليون وعدد زوار موقعها على الإنترنت عشرات الملايين.
أما  ابرز المستلزمات للاقتصاد المعرفة هي :
أولاً: إعادة هيكلة الإنفاق العام وترشيده وإجراء زيادة حاسمة في الإنفاق المخصص لتعزيز المعرفة, ابتداء من المدرسة الابتدائية وصولاً إلى التعليم الجامعي, مع توجيه اهتمام مركز للبحث العلمي. وتجدر الإشارة هنا إلى أن إنفاق الولايات المتحدة في ميدان البحث العلمي والابتكارات يزيد على إنفاق الدول المتقدمة الأخرى مجتمعة, ما يساهم في جعل الاقتصاد الأمريكي الأكثر تطورًا ودينامية في العالم (بلغ إنفاق الدول الغربية في هذا المجال 360 مليار دولار عام 2000, كانت حصة الولايات المتحدة منها 180 مليارًا
ثانيًا: وارتباطًا بما سبق, العمل على خلق وتطوير رأس المال البشري بنوعية عالية. وعلى الدولة خلق المناخ المناسب للمعرفة. فالمعرفة اليوم ليست (ترفًا فكريًا), بل أصبحت أهم عنصر من عناصر الإنتاج.
ثالثًا: إدراك المستثمرين والشركات أهمية اقتصاد المعرفة. والملاحظ أن الشركات العالمية الكبري (العابرة للقوميات خصوصًا) تساهم في تمويل جزء من تعليم العاملين لديها ورفع مستوى تدريبهم وكفاءتهم, وتخصص جزءا مهما من استثماراتها للبحث العلمي والابتكار..
الركائز ألأساسيه لاقتصاد المعرفة
وللتوضيح هذه  الركائز  حدد البنك الدولي أربع
:‏الإطار الاقتصادي والمؤسسي الذي يضمن بيئته اقتصاديه كليه مستقره ومنافسه وسوق عمل مرنه وحماية اجتماعيه كافيه‏:‏ ويقصد به دور الحكومات في توفير الإطار الاقتصادي والحوافر لمجتمع الإعمال وغيرها من الشروط التي تعمل علي رفع اقتصاد المعرفة بالاضافه الي الأداء الفعلي للاقتصاد
‏نظم التعليم التي توكد إن المواطنين معدين للاستحواذ أو الحصول علي واستخدام والمشاركة في المعرفة‏ فبقياده التكنولوجيا والاحتياجات الجديدة يتجه التعليم لإحداث تغييرات كبري علي كل المستويات‏,‏ وفي مجالات متنوعة تتضمن المنهجيات وقنوات التوزيع‏,‏ علاوة علي إن التعليم والتدريب المستمر المعتمد علي التكنولوجيا هما من أكثر الخصائص الرئيسية لبيئة اقتصاد المعرفة‏,‏ حيث السرعة التي تتطور عندها المعرفة والتكنولوجيا والمهارات العالية المطلوبة‏,‏
نظم الإبداع التي تجمع ما بين الباحثين وأصحاب الإعمال في تطبيقات تجاريه للعلوم والتكنولوجيا‏:‏ ويقصد بهذه النظم التعاون الواسع والقوي بين الإعمال التجارية ومراكز التفكير من اجل تكوين أو تطبيق المفاهيم الابداعيه والطرق والتكنولوجيات التي تعطي المنتجات والخدمات ميزه تنافسيه‏,‏ مما يشارك في تطوير وتحقيق اقتصاد المعرفة‏.‏ك عماله معرفيه منافسه ومطلوبة تستطيع تحديث مهاراتها دوريا‏.
‏البنية الاساسيه لمجتمع المعلومات‏:‏ ويقصد بها البنية الاساسيه في مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والي إي حد هي متقدمه ومنتشرة ومتاحة ورخيصة‏,‏ ولكن في المفهوم الواسع تتضمن كل البني الاساسيه التي تدعم مجتمع معلومات فعال واقتصاد معلومات فعال‏,‏ وتوفر لكل الناس إمكان الوصول بشكل فعال ومقبول اقتصاديا للمعلومات والاتصالات(6)‏
3-  خصائص اقتصاد المعرفة
هذا الاقتصاد ينظِرُ إلى المعرفة على أنها مُحركُ العملية الإنتاجية وفي نفس الوقت هي سلعة لها تبعاتها الاقتصادية في الأسواق. إن هذا النوع من التصور للمعرفة وهذه النظرة الاقتصادية للمعرفة تحتم أن نرى بعض الفوارق الرئيسية عن ما اعتاده الاقتصاديون في تناولهم للسلع(7)
فالمعرفة كسلعةٍ لا يمكن لها أن تنضُب أو تنتهي وتتلاشى بسبب استخدامها كما هو الحال في استهلاكنا لغيرها من السلع. بل إنه كلما ازداد استخدام المعرفة وإعمال العقل والتفكر فيها نتَجَ معرفةً جديدةً. فاقتصادُ المعرفةِ هو اقتصادُ وفرةٍ وليس اقتصادُ ندرة.
والمعرفة متى أُوجدت فليس لموجدها إمكانية ُاحتكار تملكها. فملكيتها مشاعٌ للجميع. والمعرفة شبيهة بالنورِ لا وزنَ ولا ملمسَ لها مما يعطيها إمكانية التنقل بكل سهولة.
تلك بعضُ خصائصه فما هي مقوماتُ اقتصاد المعرفة؟
4- مقومات الاقتصاد المعرفي:
ومن أجل أن يُوجَد اقتصادٌ يعتمدُ على المعرفة لابد من وجودِ مقوماته وتتمثل أهمُ المقومات في مايلي:
• مجتمع المعرفة بكل مستوياته: إن أهم العناصر التي تؤسس لاقتصاد يعتمدُ على المعرفةِ هوُ وجود ترجمة فعلية لمجتمع المعرفة. وفي المجتمع المعرفي يكونُ كل أفراد المجتمع ذو قدرٍ من المعرفة. وليستِ المعرفة ُحصرا على ذوي الاختصاص ونخب المجتمع. بل المطلوب أن يكون المزارع وعامل الصيد وعامل المصنع لديهم من المعرفة ما تؤهلهم للتعامل مع التقنية ويستخدمونها في مجال عملهم. فالشعار في اقتصادِ المعرفة أنّ المعرفة للجميع
• التعليم: والمدرسة ُوالجامعة ُكيانٌ رئيسٌ في مجتمعٍ يعتمدُ المعرفة أساسا لاقتصاده. فالمدرسة والجامعة يجب أن تُخرِّجَ أُناساً يفكرون ويبدعون وأحرار في تفكيرهم. وبالتالي من الضروري أن يحضى هذا الجاني بالأهمية القصوى من حيث الإنفاق والسياسات المستندة على استراتيجيات واضحة.
• البحث والتطوير: ولا بد أن تُوجد كياناتٌ تأخذ على عاتقها إنتاج المعرفة التي تحتاجها المجتمعات. فوجود مراكز البحث الأصيلة التي تتواصل مع احتياجات مجتمعها واحتياجات الصناعة ووجود مراكز التطوير ووجود أنظمةٍ وقوانينٍ للإبداع والابتكار تُشجع المبدعين وتحمي نتاجهم والسعي على ترجمة هذه الإبداعات إلى تقنيةٍ تساهم في العملية الإنتاجية ورُقي المجتمع معرفياً من الضروريات في هذا العصر. كما أن وجودَ شبكاتٍ لتواصُل مراكز الإبداع والبحث والمعرفة ضرورةٌ أيضا. (8)
والصناعة تحتاج أن تكون شريكا رئيسيا في عملية الإبداع والاختراعات في الجامعة والبحث. والصناعة والجامعة بحاجة لان تكون لها علاقة مع محيطها وتشارك في تنميته المعرفية. وهنا تبرز الحاجة إلى وجود مراكز البحوث التطبيقية والحاضنات العلمية.(9 )
إن هذه النظرة قائمه على الرؤية ألعامه التي  تستند الي فكره تفعيل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في القطاعات المختلفة بالاقتصاد الوطني ومعالجه هذه الفكرة راسيا بكل قطاع علي حده‏,‏  وتتحدث عن الاقتصاد القائم علي المعلومات أو المعرفة‏,‏ وهي رويه تعني إحداث تغيير جوهري ملموس في بنيه بيئات ونظم العمل داخل الاقتصاد نفسه أولا‏ ‏وتعني أيضا أعاده هندسه أساليب الأداء وطرق التفكير التي تحكم المؤسسات ألاقتصاديه ذاتها لتتهيأ للعمل القائم علي المعلومات بما يعنيه ذلك من تطبيق حقيقي للعديد من الفلسفات والأساليب الاداريه وهناك مبادئ من اجل تغيير فكري إداري اقتصادي يسبق أي تفكير في استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات(10)
الأخذ بمبدأ الحرية
الشفافية في تداول المعلومات
سرعه اتخاذ القرار
أزاله الالتباس وتضارب المصالح بين من يملكون المعلومات داخل الجهاز الإداري للدولة ومن يحتاجونها في تسيير إعمالهم اليومية‏.
إعلاء قيم العمل الجماعي
تفعيل ثقافة الجودة والعمل المخطط‏,‏
الانتقال من طور المؤسسات والمنشات المعتمدة علي الشخص الملهم الي طور المؤسسات التي تفكر بمنهج علمي مستقر بعيدا عن الأشخاص والانفتاح علي العالم بروي واضحة‏
العالم وعصر التحول إلى الاقتصاد المعلوماتي
يعيش العالم الآن عصر التحول الكبير في عالم الاقتصاد والتجارة وبات واضحاً تأثير التقدم التكنولوجي وخاصة في مجال المعلومات حيث تغير الكثير من المفاهيم والنظريات الاقتصادية وهياكل المؤسسات الاقتصادية والتي أعادت النظر في  خططها المستقبلية بناءً على واقع عصر الاقتصاد المعلوماتي(11) .
ومجتمع الاقتصاد المعلوماتي الذي نعيشه اليوم إنما هو نتيجة التحول من مجتمع ذي اقتصاد صناعي يكون رأس المال فيه هو المورد الإستراتيجي إلى مجتمع ذي اقتصاد معلوماتي تشكل المعلومات فيه المورد الأساسي والاستراتيجي. حيث يرى بعض المحللين الاقتصاديين أن الحضارة الحالية تحولت من اقتصاد صناعي إلي اقتصاد معلوماتي. وقد بدأ هذا التحول في الولايات المتحدة منذ عام 1956. إذ احتلت صناعة المعلومات الموقع الأول فيها حيث أن نسبة كبيرة من جهد القوى العاملة ينفق من أجل إنتاج خدمات (وبضائع) معلوماتية. (12)    ويشير في هذا الصدد تقرير منظمة اليونسكو حول الاتصال في العالم أن  قطاع المعلومات وخدماته سجل تطوراً ملحوظاً في معظم البلدان رغم الاختلافات في اليد العاملة “المعلوماتية” إلى إجمالي سكان كل بلد. كما تؤكد موليتور Molitor أن نسبة اليد العاملة في قطاع المعلومات بالولايات المتحدة الأمريكية ستشكل نسبة 66% من إجمالي قوة العمل عام 2000،  بعد أن كانت لا تتعدى 19% عام 1920 و50% في منتصف السبعينات، عكس القطاعات الأخرى التي تسجل تقلصاً ملحوظاً في نسبة الأيدي العاملة. (13)   أن أمماً كثيرة قد أدركت مسئوليتها تجاه التحديات التي يفرضها مجتمع المعلومات عليها سواء على الصعيد الرسمي أو التجاري. فقد استحدثت المملكة المتحدة عام 1981  وزارة دولة لشئون الصناعة وتكنولوجيا المعلومات مهمتها جمع جوانب ثورة المعلومات كافة .
وتتولى هذه الوزارة عدة مسئوليات مترابطة في مقدمتها: الإشراف على صناعة الحاسبات الإلكترونية والروبوت والإليكترونيات الدقيقة والهندسة الميكانيكية والبحث والتطوير وسياسة الاتصالات السلكية واللاسلكية ودائرة البريد  وصناعة الورق والمواد الكيماوية والنشر وصناعة الأفلام وصناعة الفضاء.وقد أشار وزير الدولة البريطاني لشئون الصناعة وتكنولوجيا المعلومات لينيث بيكر في حديثاً له خلال زيارته إلى أستراليا بضرورة الأخذ بأخر التطورات في ميدان الحاسبات مؤكداً أن الصناعي الذي لا يوظف تقنيات الحاسب الإلكتروني الدقيقة سوف لا يجد له مكاناً في ميدان الصناعة خلال الأعوام الخمسة القادمة وبالحرف الواحد ذكر عبارة (استخدم الأتمتة وإلا تنتهي)  (14)
وفي إطار ترجمة هذه الأفكار إلى واقع فعلي أعلنت الحكومة البريطانية عام 1982 كعام لصناعة المعلومات وأسست برنامجاً شاملاً أطلقت عليه برنامج تكنولوجيا المعلومات المتقدمة حيث وظف هذا البرنامج (350) مليون باوند إسترليني في مجال البحث والتطوير للجيل الخامس من الحاسب الآلي. وتم تشكيل لجنة خبراء في الوزارة المذكورة لتقديم المشورة إلى رئاسة مجلس الوزراء حول أفضل السبل التي تمكن المملكة المتحدة من أن تتبوأ الموقع القيادي في مجال صناعة المعلومات.
أما اليابان  فقد استجابت لتحدي مجتمع المعلومات عن طريق التخطيط السليم والتحليل المتأني حيث قامت بتشكيل عدة مجالس ولجان برعاية مؤسسات وهيئات حكومية في عدة وزارات منها وزارة التجارة والصناعة الدولية ووزارة البريد والاتصالات والمركز الياباني للتطوير العملياتي. وأصدرت هذه المجالس مجموعة (أوراق عمل) تناولت موضوعات عديدة منها سياسة الحكومة في مجال المعلومات وتطبيقاتها الصناعية في مجتمع المعلومات، واستخدامات الحاسب الإلكتروني والبحث الآلي وشبكات المعلومات والاتصال والمكتبات وخدمات المعلومات.  ولم تقتصر حدود أوراق العمل هذه على تشخيص الواقع المعلوماتي في اليابان وإنما شملت كذلك سبل تطويره ووسائل مواجهة المستقبل.
وأثناء زيارة رئيس اليابان السابق ناكا سوني للولايات المتحدة عام 1984 أكد أنه يجب على الدول المتقدمة تكنولوجياً كاليابان أن تنظر إلى مجتمع المعلومات كسبيل يضمن مواصلة نموها وتطورها الاقتصادي. وتنبأ ناكاسوني بأنه خلال العشرين أو الثلاثين سنة القادمة ستكون الصناعات الرئيسية في اليابان تلك التي تتعامل مع المعلومات. وأكد أن أثر الاقتصاد المعلوماتي – أي المبني على صناعة المعلومات- على المجتمع الياباني سوف يكون مشابهاً لاستخدام الكهرباء أو السيارة لأول مرة.(15) وإذا ما انتقلنا إلى دول العالم الأخرى والتي تتطلع إلى القيام بدور في عالمنا المعاصر نجد أن كثيراً منها لم تكن بعيدة تماماً عن هذه التوقعات المستقبلية فننجد أن ماليزيا تعد صاحبة التجربة الأولى في هذا المجال بالنسبة للدول النامية على مستوى العالم حيث شرعت في الإعداد لما يطلق عليه Corridor) Multimedia Super ) وهي لم تقتصر على خلق بنية تحتية للمعلومات وإنما تعدتها لتشريع قوانين وعمل سياسات وممارسات مما يمكنها من استثمار واستكشاف المجالات الخاصة بعصر المعلومات.(16)
7-الوطن العربي وعصر الاقتصاد المعلوماتي
برغم وجود بعض البلدان العربية التي تنبهت مؤخراً إلى ضرورة الدخول في عالم الاقتصاد المعلوماتي فبدأت بوضع سياسات لتحقيق هذا الهدف وذلك خلال العشر سنوات الماضية- إلا أننا نجد أن كثيراً من الدول العربية تفتقر لوجود سياسات واستراتيجيات في مجال الاتصال وتبادل المعلومات، بسبب غياب المؤسسات الوطنية المسئولة عن التقنيات الحديثة في هذا المجال، وعدم الاهتمام الكافي لبعض الدول العربية بإنشاء التقنيات وتطويرها نظراً لوجود أولويات تنموية أخرى ولأسباب اقتصادية في بعض الأحيان.(17)   ورغم أن البلدان العربية تشكل 5% من مساحة العالم وتأتي في الترتيب الرابع من حيث المساحة ويشكل سكانها 3.5%   من تعداد سكان العالم – إلا أن معظم البلدان العربية فوجئت على  غرار بقية البلدان النامية بالمعطيات الجديدة على الساحة العالمية. مما أدى بالعديد منها إلى الإسراع باعتماد توجهات السوق العالمية دون تركيز سياسات شاملة في مجال الاتصال والمعلومات ودون أن تكون لديها الأرضية المنهجية والقانونية اللازمة (18)  وفي الوقت الذي يسير العالم في طريقه إلى التحول من مجتمع ذي اقتصاد صناعي إلى مجتمع ذي اقتصاد معلوماتي ، لا تزال الدول النامية ومنها أقطارنا العربية تسعى للوصول إلى مجتمع ذي اقتصاد صناعي (19)
إلا أننا نجد من جانب آخر أن هناك تطورات تعكس جوانب إيجابية في إمكانية تحقيق منجزات من الممكن أن تساهم في نقل الوطن العربي إلى عصر الاقتصاد المعلوماتي. مثلاً نجد أن الإنترنت التي دخلت الوطن العربي في العقد الأخير من القرن الماضي يزيد عدد مستخدميها الآن على مليوني مستخدم .  ويتفاوت عدد المستخدمين  للإنترنت في البلدان العربية لاعتبارات كثيرة مثل الوضع الاقتصادي وعدد السكان والتسهيلات القانونية …الخ. حيث بلغ عدد المستخدمين في مطلع عام 2000 – في مصر حوالي 440 ألف مستخدم وتليها دولة الإمارات العربية المتحدة حيث بلغ 400 ألف مستخدم والسعودية 300 ألف مستخدم ، ولبنان 230 ألف مستخدم.(20)
المبحث الثاني ( التعليم الالكتروني مستوياته وفوائدة مزاياه)
التعليم الالكتروني
التعليم الالكتروني هو صف دراسي يقوم بتأمين المادة الدراسية كما يقوم الهاتف الخلوي بتأمين المكالمة الهاتفية في محطة للحافلات , على سبيل المثال , يتيح التعليم الالكتروني لمنتسبيه التعلم في أي مكان وفي أي وقت طالما كان لديهم حاسب مناسب . مثلما يتيح لكم الهاتف الخلوي الاتصال في أي وقت وعادة من أي مكان طالما كان لديكم جهاز هاتف مناسب
يمكن أن يتم تأسيس التعليم الالكتروني على قاعدة ” CD Rom ” , أو شبكة ما , أو انترانيت أو حتى عبر الانترنت , ويمكن أن يتضمن نصوصاً مكتوبة , أفلام فيديو , تسجيلات صوتية وبيئات حية أو افتراضية , كما يمكن لخبرة التعليم الالكتروني أن تكون غنية جداً بحيث تتفوق على مستوى التدريب الذي يمكن أن يختبره الطالب في الصفوف المزدحمة , إنه تعليم ذو صفة ذاتية أولاً وقل أي شيء آخر .
تكمن نوعية التعليم الالكتروني كما هو حال كل أنواع التعليم الأخرى في مضمونه وطرق إيصاله , حيث يمكن للتعليم الالكتروني أن يعاني العديد من المخاطر مثله مثل التدريب في الصفوف الدراسية . وتتمثل هذه المخاطر في الملل الذي يصيب الطلاب , الأحاديث الترتيبية وعدم توافر الفرصة للتفاعل . لكن جمالية التعليم الالكتروني بكل الأحوال تكمن في أن البرمجيات الجديدة تتيح إنشاء بيئات فعالة للغاية يمكنها جعل الطالب منغمساً باستمتاع حتى أذنيه في المادة التي يدرسها (21).
خصائص التعليم  الالكتروني
التعلم الذاتي :
يتيح لك التعليم الالكتروني إمكانية الاستفادة من المحاضرات الدراسية ذاتياً , ويساعد هذا على تفادي فقدان المعلومات في حالات يكون الطالب فيها مجبراً على ذلك سواء عند مغادرة قاعة الدرس لطارئ خارجي أو لعدم قدرته على فهم ما قاله المعلم في الصف .
تقدم دروس التعليم الالكتروني للمستخدم عناصر تحكم ذاتية غير متوافرة في صفوف التعليم العادي . على سبيل المثال , التفريق بين صوت نبضات قلب عليل من صوت قلب سليم بالنقر على أيقونة على الشاشة , والتي تتيح للمتعلم الاستماع بمفرده لذلك الصوت عدد المرات التي يرغب بها . ويعتبر عنصر التعلم الذاتي هذا واحداً من الأشياء التي تجعل التعليم الالكتروني فعالاً جداً .
التفاعل :
يتيح التعليم الالكتروني عنصراً آخر لطلابه ألا وهو التفاعلية , ويمكن لهذا النوع من التفاعل أن يكون على شكل استجابة مناسبة للأسئلة ,أو للبدء بعملية ما . وتكون الألعاب التفاعلية التي تحمل رسائل تعليمية فعالة جداً في تطوير التعليم الالكتروني . وهنا يجب أن نفكر في الألعاب حيث يؤدي الطالب مجموعة من المهام والتي تؤدي مثلاً لأن يتعلم أموراً حول البيئة , وأن يستخدم أدوات يكتشفها أثناء هذه العملية . ويمكن دمج نفس هذه التقنيات في أنواع مختلفة من برامج التعليم , ويمكن للألعاب أن تأخذ الطالب في مغامرة لها سيناريو من أي شكل كان . وتشكل المقدرة على الاستكشاف ومحاولة إكمال اللعبة والنجاح والفشل كلها تعليماً جيداً .
مزايا التعليم الإلكتروني
من الواضح أن ما يحفز التوجه المتزايد إلى التعليم الإلكتروني هو المنافع العديدة التي يوفِّرها. وعلى الرغم من أن التعلم الإلكتروني قد يعود عليك كمتعلم، كما على المؤسسة الأكاديمية، بعدد من الفوائد، إلا أن البعض لا يجيد أحياناً اغتنامها، الأمر الذي يستوجب أن نعلم تحديداً أين تكمن هذه الفوائد.كما أن هذا النوع من التعليم يشهد الإقبال المتزايد لكافة شرائح المجتمع على حلول التعليم الإلكتروني كمكمل لحلول التعليم التقليدية. وتساهم التقديمات التي يتميز بها هذا النوع من التعليم لجهة مرونته وفعاليته الاقتصادية وإلغائه لحواجز المكان والزمان في تعزيز إقبال كافة شرائح المجتمع على خدمات التعليم الإلكتروني. وفي ضوء زيادة الطلب على هذا النوع من التعليم.  (22)  .
أهم العوامل التي تساهم في زيادة استخدام تقنية التعليم الإلكتروني ( 23) .
1. دوام الحاجة إلى التعليم و التدريب و ذلك بسبب التطور في مختلف المجالات المعرفية.
2- الحاجة الماسة إلى التعليم و التدريب في الوقت المناسب و المكان المناسب على مدار الساعة.
3- الجدوى الاقتصادية من استخدام تقنية التعليم الإلكتروني التي تساهم في تخفيض تكاليف التعليم و التدريب للموظفين أو الدارسين المنتشرين حول العالم
وتظهر إيجابيات التعليم الإلكتروني
(1) توفير الوقت للمتعلم حيث يتمكن المتعلم من اختيار الوقت المناسب له للتعلم دون الارتباط بمواعيد محددة وثابتة .
(2) إتاحة المكان المناسب للمتعلم والذي يشعر فيه بالارتياح دون تدخل من أحد
(3 ) إمكانية الاستفادة من عوامل كثيرة هامة ومؤثرة مثل [ الصوت – النص – اللون – الفيديو - نوع الخط - طريقة العرض وغيرها ] ولذلك يستعمل المتعلم أغلب حواسه في هذه العملية التعليمية .
(4) لا يهتم بالعمر الزمني للمتعلم فهو يناسب لتعليم الكبار والموظفين والأطفال من الذين لا تسمح لهم ظروفهم بالتواجد بالمدارس والجامعات في أوقات محددة .
(5) يرى كثير من علماء التربية المتحمسون لهذا النوع من التعليم أنّ تكلفته المادية أقل بكثير من تكلفة التعليم التقليدي .
(6) يتيح للمتعلم الحصول على معلومات أكثر طالما لديه القبول والاستعداد عكس ما هو متاح في التعليم التقليدي
صفات التعليم الالكتروني
أنه يتميز بالصفات التالية (24)
1- الفعّالية: فاستذكار المعلومات يعتمد على قدراتنا الحسية كافة، بينما الاستجابة تعتمد على ميزات كل فرد وعلى حافز التعلم لديه. ولا بد بالتالي لطريقة نقل المرسلات من أن توفر للمتعلم إمكانية التكرار وفقاً لطرائق حسية مختلفة، وهي إمكانية نادراً ما توفرها الأساليب التعليمية التقليدية. وإتاحة الفرصة للمتعلمين للتفاعل الفوري إلكترونيا فيما بينهم من جهة وبينهم وبين المعلم من جهة أخرى من خلال وسائل البريد الإلكتروني و مجالس النقاش و غرف الحوار و نحوها
2- أقل كلفة: توفّر خدمة التعلم الإلكتروني الفوري، عبر الإنترنت وأقراص التخزين المدمجة وأقراص الفيديو الرقمية وغيرها، على المتعلم مشقة الانتقال إلى مركز تعليمي بعيد، ما يعني أنه سيوفر كلفة السفر ويكسب مزيداً من الوقت.
3-سهولة الإطلاع على المناهج: تتوفر مناهج التعليم الإلكتروني على مدار الساعة، ما يسمح للمتعلم عبر الإنترنت بمتابعتها في أي وقت يراه مناسباً، وتجاوز قيود المكان و الزمان في العملية التعليمية
4- يعزز المشاركة: تؤكد نظريات التعلم المعزز للمشاركة على أن التفاعل البشري يشكل عنصراً حيوياً في عملية التعلم. وجدير بالذكر أن التعليم الإلكتروني المتزامن يوفر مثل هذه المشاركة عبر الصفوف التعليمية الافتراضية وغرف التحادث والرسائل الإلكترونية والاجتماعات بواسطة الفيديو.
5 – التكامل: يوفّر التعليم الإلكتروني للمتعلم المعرفة والموارد التعليمية على نحو متكامل، وذلك من خلال أدوات التقييم التي تسمح بتحليل معرفة المتعلم والتقدم الذي يحققه، ما يضمن توافر معايير تعليمية موحدة.
6- المرونة: يستطيع المتعلم عبر الإنترنت أن يعمل مع مجموعة كبيرة من المعلمين وغيرهم من الأساتذة في مختلف أنحاء العالم، في أي وقت يتوافق مع جدول أعماله. ويمكنه بالتالي أن يتعلم في المنزل أو في مقر العمل أو في أي مكان يُسمح له فيه باستعمال الإنترنت وذلك في أي وقت كان، واستخدام أساليب متنوعة و مختلفة أكثر دقة و عدالة في تقييم أداء المتعلمين
7-مراعاة حالة المتعلم: يوفر التعليم الإلكتروني للمتعلم إمكانية اختيار السرعة التي تناسبه في التعلم، ما يعني أن بمقدوره تسريع عملية التعلم أو إبطائها حسب ما تدعو الحاجة. كما يسمح له باختيار المحتوى والأدوات التي تلائم اهتماماته وحاجاته ومستوى مهاراته، لاسيما وأنه ينطوي على أساليب تعليمية عدّة تعتمد فيها طرائق متنوعة لنقل المعرفة إلى مختلف المتعلمين، الأمر الذي يجعله أكثر فاعلية بالنسبة إلى بعضهم، وهي بذلك تعمل على تمكين الطالب من تلقي المادة العلمية بالأسلوب الذي يتناسب مع قدراته من خلال الطريقة المرئية أو المسموعة أو المقروءة و نحوها، و مراعاة الفروق الفردية بين المتعلمين و تمكينهم من إتمام عمليات التعلم في بيئات مناسبة لهم و التقدم حسب قدراتهم الذاتية
المبحث الثالث(اقتصاد المعرفة والتعليم الالكتروني ركيزتان في كفاءة العنصر البشري )
1- السمات الرئيسة للثورة التقنية والتعليمة  وعلاقتها   بكفاءة  العنصر البشري:
هناك بعض السمات التي تتميز بها الثورة التقنية المعاصرة والتي منها(25)
1- أنها تودي إلى ازدياد أهمية دور المعرفة، فالسمة الرئيسية للثورة العلمية التقنية المعاصرة هي اعتمادها على المعلومات وتقوم على مصدر متجدد ولا نهائي قوامه العقل البشري، فعلى خلاف الثورات التقنية الثلاثة الأولى والتي اعتمدت على مصادر غير متجددة كالحديد والفحم والنفط، فإن الثورة التقنية الحديثة تعتمد على مصدر متجدد ومتدفق وهو صناعة المعلومات، مما مكن التقدم العلمي في مجالات الأقمار الصناعية والحاسبات الآلية والإنترنت من تخزين وتشغيل واسترجاع كميات هائلة من المعلومات عبر المسافات البعيدة في وقت محدود للغاية.
2-- أنها تؤدي إلى تقسيم دولي جديد للعمل، تزداد فيه مشكلات الدول النامية، وتتسع الفجوة بين الذين يمتلكون قدرات التعامل في الثورة العلمية والذين لا يتمكنون من ذلك، ويعطي هذا الوضع بعض الدول التي تمتلك هذه القدرات الهيمنة والسيطرة، مما يؤدي إلى قفز في درجة وتعقد التقنية ونوع المهارة اللازمة لإدارتها، وإذا لم تستوعب الدول النامية هذا التطور بوعي تام وسرعة فائقة فسوف يكون هناك مزيد من التهميش وضياع للموارد.
3-- أنها ساعدت في الاعتماد على المجهود الذهني واختصار العمل اليدوي، فبعد أن كانت الثورات الأولى تعتمد على الجهد البشري كمدخل أساسي في أنظمة الإنتاج، أصبحت الثورة الحديثة توفر هذا الجهد للعمليات الأكثر ملائمة لطبيعة الإنسان، وهي مهارات إلا بداع والابتكار والتصميم والتخطيط لجودة المنتج، فنقلت بذلك نشاط الإنسان إلى مرحلة ما قبل الإنتاج (
Pre-Production).
2 -اقتصاد المعرفة ومتطلبات التعليم الإلكتروني
و للانتقال إلى اقتصاد المعرفة، بكل ما يحمل هذا المفهوم من تحديات وإرهاصات،  لا بد من البدء بالمدارس و الجامعات بحيث تصبح المعرفة والوسائل التي تدعم تحصيلها، و الحفاظ عليها، و في النهاية تخليقها هي أساس النظام التعليمي. و إدراكاً لأهمية التعليم و التدريب لتحقيق التغيير في نمط التفكير و الذي يجب أن يسبق التحول المطلوب في نمط الحياة، فقد انصبت جهود الحكومات الدول  المتعاقبة في الحقبة الأخيرة على تأسيس نظام تعلّم معرفي يعتمد التقنيات الحديثة كوسيلة فاعلة لتحصيل و حفظ ونقل المعرفة بأشكالها المختلفة، و كل هذا يتم ضمن رؤية مستقبلية واعية و دعم غير محدود من القيادة العليا. و عليه فقد تم تبني إستراتيجية وطنية للتعلم الإلكتروني تنطوي على استغلال التقنيات الحديثة كوسيلة أساسية في نظام التعليم  على جميع المستويات، إلا أن مثل هذا الخيار الاستراتيجي يتطلب تغييراً جذرياً في بيئة و أساليب التعليم و يحتاج إلى جهود جبارة و مصادر هائلة مما يشكل تحديا كبيرا لبلد نام محدود المصادر و الثروات، غير أن النتائج التي سيتمخض عنها تحقيق النقلة المطلوبة ستسهم بشكل كبير في التنمية الاقتصادية و الاجتماعية بشكل مباشر و غير مباشر على المديين المنظور و البعيد و ستساعد الدولة  على تجاوز العوائق المادية في الوصول إلى ما يصبو إليه. (26)
3-البنية التحتية الأزمة للنجاح الثورة التقنية
تشمل هذه البنية شبكة الربط الإلكتروني (National Educational Network) التي ستصل المدارس و الجامعات يبعضها، و الهيكلية التي ستقوم عليها الشبكة و التي تحدد أجهزة الربط الإلكتروني (DCE & DTE)، و أجهزة الحاسوب التي ستستخدم للاتصال و التصفح، و من ثم البرمجيات التي ستوفر التطبيقات التعليمية التي ستسهل التعامل مع المحتوى التعليمي الذي سيكون في الغالب باللغة العربية. و فيما يلي استعراض لعناصر البنية التحتية و مواصفاتها حسب الخطة الوطنية
شبكة عالية القدرة (Broadband Network): توفر اتصالاً بين ما يزيد على 3200 مدرسة و 7 كليات جامعية و 8 جامعات رسمية بسعة لا تقل عن 100Mbps، و ذلك لضمان قدرة نقل عالية تضمن سرعة تنزيل المناهج و التطبيقات و تبادل البيانات في حالات التعلم التفاعلي (Interactive Learning). يتضح أن هذا التوجه بدأ ينتشر نظراً لتطور التقنيات بسرعة و زيادة حجم التطبيقات و المحتويات التي يجب توفرها في بيئة التعلم الإلكتروني و نظراً للجدوى الاقتصادية التي يحققها وجود وسط إلكتروني سريع من خلال الاعتماد على نظام مركزي و التوفير في تكلفة الأجهزة الطرفية و التي تكومن أعدادها كبيرة.  هيكلية تعتمد نظام (Thin Client) و الذي يعتمد بالأساس على مركزية المعالجة من خلال تسخير أجهزة  خوادم عالية القدرة الحسابية و السعة التخزينية و أجهزة حواسيب طرفية رخيصة ذات قدرة محدودة. و مثل هذا النظام يتطلب شبكة ربط عالية السعة لضمان سرعة انتقال التطبيقات و المحتويات عند الحاجة إليها بدلا من الدخول في تعقيدات تحميل البرمجيات على الحواسيب الطرفية و صيانتها. هذا النوع من الأنظمة يتطلب استثمار مبدئي كبير في إنشاء شبكة تعليمية عالية السعة، إلا أنه يثبت فاعلية و جدوى اقتصادية على المدى البعيد.البرمجيات التعليمية و التي توفر تطبيقات لإدارة التعلم (Learning Management System) و إدارة المحتوى الإلكتروني، و أنظمة التحكم و السيطرة و المتابعة للشبكة (Operation Management and Control). و يشكل هذا العنصر تحديا نظرا لعدم توفر التطبيقات التي تتعامل مع اللغة العربية سواءً في الشكل أو المضمون، مما حدا ببعض الشركات الأردنية للنهوض بالمسؤولية و تطوير برمجيات قادرة على توفير الأنظمة و التطبيقات التي تدعم عملية التعلم الإلكتروني باللغة العربية   و مع أنها في بداياتها، إلا أن النتائج الأولية لما تم تطويره تبشر بمستقبل زاهر و تثبت قدرة المبدع العربي على الاكتفاء الذاتي و خصوصا في هذا المجال.  اما مجال اقتصاد المعرفة فان ذلك  يتطلب اقتصاد معرفي يلبي حاجة التعليم الالكتروني من خلال توفر البرمجيات التعليمية بشكل يسير لغرض أنجاح التعلم الالكتروني و تتألف إدارة المعرفة من العمليات التي تهدف من كسب المعرفة أو استخدامها تحقيق مردود اقتصادي ملموس ، وعليه يتألف نظام إدارة المعلومات من العمليات والتقنيات التي يتم توظيفها في ضوء رؤيا وإستراتيجية المؤسسة بحيث توفر المعرفة العلمية والتطبيقية اللازمة لحل المشكلات التي تعترض العاملين في دائرتها ، يقيم هذا النظام علاقات جدلية مع الثقافة والإستراتيجية السائدة في البيئة التي يقيم فيه وسلاسل القيم السائدة في البنية الاقتصادية، فيستمد منها موارده ويحدد معالم آليات التعامل مع تفاصليها الدقيقة ، مما يثمر عنه الارتقاء بالرأسمال البشري ، وتعميق المعرفة بموارد المعلومات المتاحة لضمان القدرة على التنافس ، والاستمرار في الوقوف بمكان الصدارة ، بصورة عامة يتألف رأس المال المعرفي من عنصرين متفاعلين هما : العنصر البشري الذي يتفاعل مع المعرفة ويستوعبها ويحيلها إلى واقع ملموس ونجاحات مستمرة ، والمعلومات التي تستقر في النتاج الإنساني المنتشر في الفكر الموثق والإنجازات الفكرية للجنس البشري وصياغة الأسئلة التي تفتقر إلى حلول ترقى بالإنسان على الطبيعة المحيطة به ويبرز تأثير  تكنولوجيا المعلومات على الجوانب السياسية والمعرفية للتنمية من خلال التنمية البشرية أو الإنسانية  حيث تعتبر التنمية البشرية أو الإنسانية ركيزة لقام مجتمع المعرفة وذلك لان نجاح التنمية البشرية يعني ضمنياً رفع القدرة على التعلم والمعرفة واستيعاب منجزات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التي يمكن إقامة الاقتصاد القائم على المعرفة Knowledge –based Economy  نظراً لان تطبيقات تكنولوجيا المعلومات تؤثر في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية والتنظيمية للدول النامية فعلى هذه الدول إن تتخذ التدابير الكفيلة بالحفاظ على هويتها القومية والحضارية دون التقليد الاعمي للمجتمعات الغربية أصبح نقل المعرفة ميسوراً في عصر المعلومات فقد أدى التطور المذهل في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات واستخدام الكمبيوتر والفاكس والمحمول والوسائط المتعددة والأقمار الصناعية إلى إحداث تحولات في المجتمع واتسعت القدرة على تخزين المعرفة ونقلها والتقاء الكمبيوتر مع الاتصالات السلكيو اللاسلكية سيعمل على إزالة حدود الزمان والمكان بحيث يمكن إرسال كميات هائلة من المعلومات الى أي مكان من العالم في ثوان وبتكلفة زهيدة
4-  كفاءة العنصر البشري وترابطه مع التعليم الالكتروني واقتصاد المعرفة (27)
و لوفرضنا  جدلاً أن جميع العناصر المادية التي تم ذكرها سابقا قد توفرت للوصول إلى نظام تعلم إلكتروني متكامل و مستمر، فيبقى العنصر الأهم هو العنصر البشري. فلا بد من توفر عدد كاف من الكوادر البشرية المؤهلة القادرة على متابعة عمل النظام المترامي الأطراف و صيانته و ضمان انسياب المعلومات في جميع الاتجاهات داخل الشبكة. و ليس ذلك فحسب، بل يجب أن يكون المعلم و الموظف قادرين على استخدام التكنولوجيا بوعي و بشكل يخدم العملية التعليمية. إضافة إلى ذلك، فإن دور الإبداع في أساليب التعليم و استغلال التقنيات ليس غايته للحصول على المعرفة و حسب، بل أيضا توليدها بحيث يصبح جزءًا لا يتجزأ من عملية التعليم. و نظراً لأن مثل هذا النظام يتطلب تغييراً جذرياً في نمط التفكير للمعلم و الطالب  فلا بد من وضع إستراتيجية للتغيير و التحول نحو النظام الجديد و وضع أسس و أنظمة لإدارة هذا التغيير لتجنب الفوضى و التشتت و تبعثر الجهود.
إن توفر تكنولوجيا المعلومات والاتصالات العديد من الفرص لتفيق التنمية في دول العالم الثالث ورفع مستوى معيشة المواطنين وتتيح الفرص لشعوب الدول النامية للاندماج في المجتمع العالمي واهم المجالات التي تساهم في تطويرها تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات بشكل مكثف ، مجال التعليم حيث أن تأهيل الجيل الجديد من الطلاب والسباب والخريجين للتعامل مع تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات يرفع من قدرتهم التنافسية على مستوى العالم ويفتح إمامهم أفاق المعرفة التي تمثل حجر الأساس للتنمية في كافة المجالات
إما دور تكنولوجيا المعلومات في رفع مستوى التعليم والبحث العلمي فان تكنولوجيا المعلومات تسمح  والاتصالات بنقل سجلات براءات الاختراع من على موقع شبكة الانترنت ورفع مستوى التعليم والتدريب واستحداث طرق التعلم عن بعد والتعلم مدى الحياة ونقل خدمات التعليم والتدريب إلى المناطق النائية المعزولة ويجري تقديم خدمات التعليم عن بعد Teleeducation  وذلك مثل نظام الجامعة المفتوحة وإشراف أستاذ جامعة أجنبية على دارسي الدكتوراه(28)أما المخاوف الناجمة عن  البطالة المكثفة الناتجة عن التقنيات القائمة على الإلكترونيات الدقيقة, فإن الخبرة الخاصة لكل من الدول الصناعية المتطورة والدول النامية, تبين أن أثر تلك التقنيات في التوظيف المباشر وغير المباشر يمكن أن يكون في الحقيقة إيجابيًا بشكل هامشي. وتشير بعض الدراسات إلى أن التقنيات الحديثة يمكن أن تحل مكان العمالة في الأنشطة القديمة, ولكنها يمكن أن تولّد في الوقت نفسه طلبًا إضافيًا على العمالة من خلال خلق سلع وخدمات جديدة. وبصرف النظر عن الآراء المتعارضة في هذا الخصوص, يمكننا – من دون تردد – تأكيد أن تأثيرات التكنولوجيا الحديثة في مجال التوظيف لن تشمل فقط حجم العمالة وبنيتها المهنية وسوق العمل, ولكنها ستشمل أيضًا وبصورة أساسية نوعية العمل, خصوصًا فيما يتعلق باعتماد ما يمكن تسميته (الأنواع المرنة) للعمالة ذات الطابع التعاقدي والعمل المنزلي, وكذلك الاتجاه نحو تقليص ساعات العمل….الخ. وباختصار, أن أسواق العمل في البلدان الصناعية المتطورة والبلدان النامية على حد سواء ستصبح أكثر مرونة. وسيظهر تخصيص سوق العمل والإنتاج في شكل زيادات في فرص التوظيف المؤقت وساعات العمل المرنة غير الثابتة. وتجد هذه الظاهرة انعكاسًا لها في تبدّل سياسات الحكومات في معظم الدول الرأسمالية باتجاه تراجع دور (الدولة الراعية), الذي يقترن بتقلّص التقديمات الاجتماعية, ولتلك الظاهرة جانبها السلبي المتمثل في شعور المرء بعدم الاستقرار وعدم الثقة بالغد, وعمومًا بانعدام الأمان الاجتماعي في ضوء عدم استمرارية العمل والحرمان من التقديمات الاجتماعية والضمانات التي يؤمنها العمل الثابت. ومن الواضح أنه سيكون للثورة التكنولوجية الجديدة أثر كبير في توزيع الدخل, سواء في داخل البلدان أو في ما بينها. بحيث تجري هذه العملية لمصلحة الفئات الأكثر احتكاكًا بالتكنولوجيا الجديدة, ولمصلحة الاختصاصات العصرية والأكثر حداثة, التي يغلب فيها عنصر الشباب, وذلك على حساب المجالات والاختصاصات التقليدية. كما أنها ستكون لمصلحة كبار المنتجين والشركات الكبرى العابرة للقوميات والمؤسسات ذات الإنتاج الموجه للتصدير. وبديهي أنها ستكون أيضًا في مصلحة الدول الأكثر تطورًا, القادرة على الاستفادة من الميزات المطلقة والنسبية التي يوفرها لها امتلاك ناصية التكنولوجيا واحتكار القسم الأعظم منها, من خلال التبادل الدولي, ومن ثم تكريس تفوّقها ومتفاقمة (الهوة التكنولوجية) مع البلدان النامية والأقل تطورًا, والتي تصبح أكثر اتساعًا وعمقًا واستعصاء على التذليل(29)
فمن الواضح أن التدويل المتزايد للإنتاج واشتداد المنافسة الدولية يجعل الدول التي تركز على اقتصاد التصدير, أكثر اضطرارًا لاستخدام التكنولوجيا الحديثة, وبالتالي إلى استيرادها في حال عدم قدرتها على إنتاجها بنفسها. ويؤدي هذا, بالطبع, إلى (تبعية تكنولوجية) متزايدة.
6-  علاقة تطور اقتصاد المعرفة بالتشغيل والبطالة
علاقة تطور اقتصاد المعرفة  بمسألة التشغيل والبطالة على المدى المنظور مستقبلا والتغيرات الحاصلة في أنماط العمل إذ أصبح التقدم في التقانات،وهو مكسب إنساني مهم، يؤدي إلى تراجع فرص العمل،وهو عكس ما هو متوخى منه.
الانفجار المعرفي وتطبيقاته،والخصوصية غير المسبوقة في سرعة وحجم ثروة المعلومات، ستُبقي الأولوية لخيار الموارد البشرية باعتبارها ثروة غير قابلة للنضوب
تتسارع منتجات المعرفة يوميا، بل ويتحدث البعض علنا عن الغرق فيما يمكن تسميته “بالانفجار المعرفي وتطبيقاته”. فنحن نعيش في خصوصية حضارية وعلمية لم تشهد البشرية لها مثيلا. ولكن ومع كل هذا التسارع الهائل في سرعة انتشار ثورة المعلومات عبر العالم تبقى الأولوية لخيار الموارد البشرية وهي ثروة غير قابلة للنضوب،على خلاف النفط والمعادن والعديد من السلع المنتجة ، بل هي الثروة المتجددة دائما. فالإنسان هو الذي يبني الثروة والقيمة والحضارة إن أحسن استثمار وتوجيه فكره وقدراته البشرية وهو الذي ينبغي له أن يتمتع بهذه المعرفة باعتبارها ثروة إنسانية تهم البشرية كلها.إن زيادة مدارك وقدرات الموارد البشرية تحسّن بالتأكيد من دور الفرد في مجتمعه، وتحسن حياته، ونمط عمله، والتعامل مع المحيط الذي يعمل فيه. وتنعكس إيجابا على التنمية البشرية.
فالعنصر البشري هو أساس النشاط الإنتاجي والتكوين الاقتصادي. ومن هنا تأتي “أهمية الاستثمار في العنصر البشري بشكل متكامل وشامل، ودعمه بصناعة تدريبية وتعليمية واسعة وديناميكية ومواكبة لأحدث العلوم والأساليب. معتمدة في مسارها في هذا الاتجاه على مفهوم التعليم والتدريب، وعلى الصقل المستمر بأساليب ومنهجيات تعليمية دائمة التحديث  (30)
وقد حصل تغير نوعي في أنماط العمل مثل
ـ تبدل في العمل التقليدي وبروز ظاهرة العمل عن بعد
ـ توجه الشركات لنظام ” نصف يوم عمل” للمستخدمين في المكاتب مقابل نصف اجر بغية إنجاز قدر من العمل يقارب ما كان ينجز في يوم العمل الكامل (يلاحظ هنا التوجه الجديد لشكل إضافي آخر من الاستغلال بقصد توفير نصف الأجر غير المدفوع،إضافة إلى استغلال قوة العمل الموجوده أصلا في عملية العمل).
ـ ابتداع شكل العمل المتقطع (أي التشغيل لفترة زمنية محددة،ثم تسريح العمال لفترة لاحقة، يتم بعدها إعادة التشغيل من جديد (يتم غالبا من عداد العمال المسرحين)  .
ولعل أهم إنجاز ابتدعته تقانة المعلومات هو النمط الذي أشرنا له من قبل والمعروف ب “العمل عن بعد”. ويتصف هذا النمط الجديد بما يلي:
(1) البعد الجغرافي بين مكان العمل والإدارة المركزية للشركة.
(2) عدم وجود دوام محدد للعمل.
(3) استخدام الكومبيوتر والهاتف والفاكس ومعدات المعلوماتية الأخرى (شبكة الإنترنيت الخ..).
(4) يمكن أن يكون العامل عن بعد موظفا أو متعاقدا حرا.
(5) يمكن أن يكون العامل عن بعد (Teleworker) في نفس بلد الشركة ويسمى في هذه الحالة عامل عن بعد وطني. أو قد يكون في بلد آخر، ويسمى عامل عن بعد دولي وهي بالفرنسية Teletravail National) , و Teletravail International ).ونموذجهم بعض المهندسين الهنود أو الباكستانيين أو مهندسين من أمريكا اللاتينية ممن كانوا يرسمون خرائط معمارية ويرسلونها إلى شركات المباني في الولايات المتحدة. ويقومون بتوصيل ناتج عملهم من خلال شبكة الإنترنيت وال (E-Mail) بما يعرف (Online Designer). وقد درج المتعاملون بهذا النمط من العمل على تأسيس ما يمكن تسميته ب (الشركات الشخصية للأفراد) التي يعملون بها أحيانا بمفردهم. وهم يمارسون عبر هذا النمط الجديد، مهنا لم تكن معروفة من قبل تعتمد بالأساس على المعرفة العلمية المتفوقة لهؤلاء الأفراد من أجل إنجاز أغراض محددة: مثل مطوري (السوفت وير Software)،أوفي إعداد برامج أو اقتراح حلول إنتاجية الخ… وسيكون الشعار الذي سيسود في القرن الراهن هو(اعمل مع من تريد وأين تريد وعندما تريد).
إن هذا النمط من العمل وأمثاله من المهن المستجدة يعطي جملة من الانطباعات، أهمها:
(1) أنه بالرغم من أن العمل عن بعد ما زال في بدايات انتشاره في البلدان الصناعية إلا أن ذلك يمثل عملية مستمرة ومتواصلة.بما يحمله من جوانب إيجابية،وما يمكن أن ينشأ عنه من مضاعفات. فهو من جهة يسمح بحل مشاكل اجتماعية عديدة مثل:
إتاحة فرصة عمل للزوجات وهن في منازلهن.
·  إتاحة العمل للمرضى وذوي العاهات وهم في بيوتهم.
·      التخفيف من تلوث البيئة عن طريق عدم استخدام العاملين لوسائل المواصلات يومياً.
·      المحافظة على التوازن الديموغرافي كمنع تفريغ الريف من أبنائه وتخفيف الضغط البشري عن العاصمة
(2) ولكن له جوانب أخرى قد يكون من المبكر اعتبارها سلبية،ولكنها ستثير في كل الأحوال جملة من المشاكل التي تقتضي الحل مثل:
* بعد الموظف عن زملائه
* العزلة التي يعيشها العامل عن بعد، والتي ستحرمه من الروابط الاجتماعية إذ أن جانبا من هوية العامل تتبلور اجتماعيا في العمل الذي يعتبر في هذه الحالة من أهم عوامل الاندماج وتبادل مشاعر التضامن.
* لا يمكن اعتبار العمل عن بعد عنصرا مولدا للوظائف بشكل مباشر. إنما يمكنه أن يفعل ذلك عندما يتحقق شرط القبول به من الأطراف المعنية بذلك (أي العامل ورب العمل). رب العمل يتوخى أن ينفذ العمل الذي يرغبه وفق الشكل المتقن الذي يتوقعه من جهة، وبان العمل سيقدم له ربحية ملائمة. كما ينبغي أن يكون العامل وفق هذا النمط،حائزا على ثقة الإدارة أيضا لأنه سيعمل دون رقابة مباشرة   (31)
ولكن العنصر الأهم في هذا السياق هو التعارض بين هدف تحقيق العمالة الكاملة، وبين الأهداف الاقتصادية الناجمة عن استخدام تقانة المعلومات فائقة التقدم (هاي تكنولوجي) واختفاء فرص العمل لأولئك الذين حصلوا على تأهيل متواضع واختفاء شكل العمل التقليدي الذي عرفناه في القرن الماضي وبروز ظاهرة العمل الإلكتروني ومزاحمة (والروبوت) على مراكز العمل إلا أن قوى العمل لا تنظر إلى كافة أنواع المكتشفات التكنولوجية بعين الحذر.والواقع أن هذه النظرة المتشككة مرهونة بموقف التوجه الاقتصادي السائد في مركز اتخاذ القرارات. ولا يمكن توقع موقف يشوبه الحذر تجاه المكتشفات التقنية الجديدة إذا كان غرضها المحافظة على فرص العمل وتسهيل شروط الأداء والتخفيف عن عبء العمل من حيث الجهد والزمن اللازم لإنجاز السلع ضمن عملية الإنتاج، أو لإنجاز الخدمات في القطاعات المعنية بذلك.وتميز قوى العمل في العادة بين نوعين من التطور التقني :إذ هناك أولا نوع من تطور التقانة الذي يخلق منتجات جديدة واحتياجات جديدة ويعتبر مصدرا مهما للتطور الاقتصادي ويسمح بإيجاد أعمال ومهن جديدة ترتبط بهذا المنجز. مثل اختراع القطار والسيارة والجرار والهاتف والتلفزيون والطائرة وبعض التجهيزات الإنتاجية التي تخلق فرص عمل جديدة . وهناك ثانيا نوع آخر من تطور التقانة الذي يدخل أشكالا من الأتمتة الجديدة التي تحل مكان العامل، وتمكّن أصحاب رأس المال من تخفيض كلفة السلع الموجودة في السوق عن طريق تخفيض ساعات العمل الضروري لإنتاجها. وتعمل بالتالي على إخراج قوى العمل وإحلال التقنيات الجديدة مكانها،بأداء أفضل وبكلفة أقل.
النوع الثاني من التطور التقني، هو ما كان يعتبر مصدر قلق لليد العاملة لأنها كانت ترى فيه تهديدا لعملها.وتحطيم العمال لآلات النسيج وتكسيرها مع بداية الثورة الصناعية معروفة وإن لم يدركوا حينها أن تلك الآلات ليست سوى الموجة الأولى وأنه سيتبعها العديد من الموجات اللاحقة فيما بعد. وأن تأثيرات الأتمتة السلبية والإيجابية لم تظهر إلا في أواخر القرن العشرين وما بعده. وكما كان عمال الحرير في الماضي يخشون آلة الحياكة، كذلك يوجد اليوم العديد ممن يخشون العولمة وعصر المعلومات.
ومع انتشار الثورة الإلكترونية وتطبيقاتها في مجال الأتمتة التي أدت إلى إحلال  الرجل الآلي مكان الإنسان في المصانع، بدأت التساؤلات تعكس الخوف المجهول لدى العمال، فيما إذا كانت هذه التقنيات ستؤدي إلى تدمير العمل أم أنها ستؤدي على نقيض هذا الخوف، أي إلى فتح المجال لأشكال وأنماط جديدة من العمل فحسب ؟
كما أنه مع بروز ظاهرة العمل عن بعد، وهي الظاهرة الحديثة في الوقت الراهن، عاد التشكك من جديد كما كان عليه الشأن عند اكتشاف الآلة البخارية وتطبيقاتها الأولى في الصناعة. وعاد العمال إلى طرح السؤال ذاته على أنفسهم مرة أخرى،وهو: هل يمكن لهذه الظاهرة الجديدة أن تخلق ديناميكية اقتصادية تؤدي إلى خلق وظائف جديدة ؟وهل إن عصر المعلومات وعصر التقانة فائقة التطور ستكون وبالا عليهم، أم ستكون محركا فعليا لتنشيط سوق العمل ؟ وهل سيكون بمقدور هذا النمط من الأعمال المستجدة حل مشكلة البطالة وإيجار فرص عمل جديدة لهم؟.
إن المشكلة الرئيسية التي بدأت تبرز في الوقت الراهن هي التعارض بين الثورة المعلوماتية ومسألة تحقيق العمالة الكاملة. إذ أنه بالرغم مما حققته البلدان الصناعية من تقدم، إلا أن الواقع ما زال يشير إلى صعوبة التوفيق بين هدف تحقيق العمالة الكاملة وبين الأهداف الاقتصادية الأخرى. وتبرز في الوقت الحالي معضلة البطالة من جديد كمسألة بارزة من مضاعفات التطور التقني في العملية الإنتاجية(32).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق